الوحدة الوطنية صمام امان ثورتنا الفلسطينية

الثلاثاء، 19 يناير 2010

الرحيل في الدقيقة تسعين

تبدا في الدقيقة تسعين ، وتنتهي عند الرحيل ، والى اللقاء لما بعد الرحيل
في تلك اللحظات ، اي ما بعد الصباح بقليل ، تاكد ان عالمه سيتغير ، نهض من مجلسه مع عائلته وكان يتملكه نوع من التاكيد ، نهض الى تلك النافذة ،والامر يزداد تاكيدا لما يدور براسه ، افكارا عديدة اهمها كانت ان يبقى على قدر من الهدوء ، فقد سمع صوتها بادئ الامر ، اما الان فها هي امامه تترنح ناظرا اليها بكل هدوء ، فقد علمتنا تجارب الحياة انه كي تستمتع في النظر الى اي شي امامك يجب ان تكون هادئ العينين ، ابتسم قليلا والتفت الى عائلته ثم عاد للنظر اليها من جديد ، ترنحت وترنحت كما شاءت الى ان رسى بها الامر منزله انعطفت بشكل ملحوظ باتجاهه وقد اغلقت في طريقها كل الطرق المؤدية اليه ، كانت على قدر خوفها منه الا انها كانت تحبه حبا ان يكون لها هذه المرة جاهدة ان تمتلك جسده الشامخ .
ها قد بدات الدقيقة تسعين ، فكر بها كثيرا ، وبكل هدوء سرق نفسه هاربا من عائلته متوجها الى باب المنزل كون ان الامر بات اكيدا انها قد حضرت من اجله .
كان يكرهها لانها لم تكن ذو اخلاق نهائيا بسبب انها لأكثر من مرة قبضت وهي في احضان رجال من قبله وستكون في احضان غيره من بعده ، تفكير عميق فيها ( لا يريدها فهو يكرهها ) لماذا تصر على القاء نفسها في احضانه ،
لا بأس سينظر اليها عسى ان تفهم من عيونه انه لا يرغبها وانه قد كرهها كثيرا ، وبقي هادئا حتى ان وصل الى ذاك الباب الذي يفصلهم عن بعض ، وقف قليلا استجمع كل قواه ونظر باتجاه عائلته بهدوء وابتسم ،في تلك اللحظة كان قد قرر ان لا يكون فريسة سهلة لهذه الذئبة الماكرة .
حديثها له كان حقدا وكرها ، ارتبك قليلا قبل ان يفتح الباب وقرارات كثيرة تدور في راسه ، اصواتها كانت في كل مكان تنادي هنا واخرى هناك ، لفت الامر انتباه عائلته انها قد اتت له فحزنت ، وحزن لحزن العائلة ، ولكن لا يوجد هنا مجالا للحزن ، انها الدقيقة الحاسمة اما ان يرتمي في احضانها كغيره او لا ، ما هية الا دقيقة كبرياء منه ويحطم كبريائها امام ثقته بعدالة موقفه منها ،
انه عنوان المرحلة الآن واللحظة
هدأ قليلا وفتح باب المنزل ، نظرات بينه وبينها وتقدم بخطوات خائفة وخاطفة ، ادرك تماما انها تفكر ماذا سيفعل ، واين وكيف ستنال منه ؟؟
اصوات كثيرة كانت تنادي باسمه ، اعلاها كان صوتها هي ، واناس يترقبون الموقف ماذا سيحصل ، ويا لتلك الصدف كم كان الموقف ذو حرارة عالية اخذت الشمس طريقها في ان ترفع وتيرتها ، وفي لحظة وبينما هي تنتقل هنا وهناك مفكرة كيف سترميه في شباكها ، كان لابد له من فعل شيئ ، فالامر يزداد سخونة ولا يريد ان يرتمي في احضانها ،
ثبت النظر اليها حتى يقتنص الفرصة المناسبة ،وبين لحظة اخرى حانت فرصته ، فانطلق نحو اللاحدود ، وقد قرر انه موقف لن يكون سهلا ، لهذه القافلة اللعينة ، التي لن يرتمي في احضانها ابدا ، خطواته الى اللاحدود ارتبكت تلك القافلة ارتفع صوتها عبر مكبرات الصوت ( سلم حالك ، البيت محاصر ) تارة وتارة اخرى طلقات نارية لا يعرف اين طريقها ، لم يتوقف واكمل طريقه مسرعا ، لم يفكر سوى كيفية الخروج من هذا المازق ، يا لهذه الطريق ما اطولها وما اكثر القوافل بها ، طلقات ومزيدا من تلك الطلقات واصوات يسمعها ..
_ ((من هون اهرب ... من هون ))
_و اخرى ، ((دير بالك في جيش في الزقة))
_ ((ادخل من هون))
ومكبرات الصوت ( سلم حالك ، المكان محاصر )
طلقات من جديد وما اكثرها ، شعر بشيئ من الالم ، حيث تباطأت خطواته ، وفي لحظة خاطفة ياتيه قرار جديد ،
(( جدد نفسك ، ابدو انسانا لا علاقة له بالالم ))
وبالفعل قد جدد نفسه ، وكان على ثقة ان احدى تلك الطلقات قد اصابته ، ولكن لا للالم حتى الوصول الى نهاية الطريق اللامحدود ، استمر بخطواته الى ذاك المفترق الذي اعتقد انه بر الامان سيكون له ، الا ان الامر كان تصادم مع الغدر ، وطلقات عدة تنطلق باتجاهه ، فاذا برصاصة اخرى تصيبه فاردته ارضا ، حاول ان يكمل ولكن ما اصابه من طلقات كفيلة لان ترديه ارضا ، واخذ يحاول ويحاول لكن الامر بات محسوما بطلقات جديدة اصابت واحدة منها جسده واخريات حوله ، عاد الى هدوئه مرتميا على ارضه مبتسما واصوات كثيرة تختلط من الجميع تدق في اذنيه
_ ((اتصاوب يا شباب))
_واخر من بعيد : ((ولكم استشهد))
واصوات تنادي اليه و تصرخ ، ((لا تتحرك يا ابن الزناة))
_ شتوك ( اخرس )
و بينما هو ملقى ارضا يسبح في دمه ، يرفع راسه من بين تلك الطلقات الغادرة ، ليرى خوفهم ، ليراهم يتحطمون امامه
** في تلك الطلقة الاخير التي اصابته ، صرخ بشدة وتالم كثيرا ولكن سرعان ما هدا واسترخى ، ولا يعرف ما الذي جعله يبتسم وهو ينظر الى جراحه .
_ صراخ وكلمات بذيئة من قبلهم اليه
لم يهتم وخرج من جوهم ، بذكريات هي كثير كون ان مهمتهم لم تنتهي بعد ، استرق ذكرياته من الامه وطلقاتهم حيث كانت اجمل ذكرياته مع تلك الفتاة التي عشقها ، هي ذات بشرة قمحية وعيون عسلية احبها كثيرا واخذ يبحث عنها بين طلقات النار ولكن لم يجدها ، لا يدري قد تكون نائمة في هذه اللحظات العصيبة التي تنبئ بفراق ، او قد تكون توظب فراشها ولا تعلم لما يحصل لحبيبها ، ولكن لم ينته الحب بينهم ، ظل يحبها بالرغم من الفراق القادم ،
ذكرى اخرى تمر عليه ( فلسطين )
امتوهم هذا الغبي بفعلته هذه انه سيقتل انتمائه لوطنه ، لم يعرف هذا القاتل ان كل انتمائه هو لفلسطين ،
_ مسكين هذا التعيس ، فهو لم ولن يستطيع ان يقتل الانتماء والحب لكل من فلسطين وعشيقته ،
ابتسم من شدة الالم ، وترك جراحه ، ليجعل افراد القافلة كلابا مسعورة تنهش في جسده ، لا يهتم ويكمل ابتساماته حتى توقفت فجأة بضربة من احد الجنود آلمته كثيرا ، فنظر اليه بعين حاقدة وقد بان على ذاك الجندي الخوف
وانهال عليه بالضرب اصابت صديقنا حيرة بين حين وحين ولكن اية حيرة يمكن ان تسيطر على انسان ساعة الموت ، اي رعب اشد من ساعة الوداع البطيئ ، انها حيرة العائلة امه اباه اخواته الصغار
لا تخافوا ايضا ساترك لكم
(( انت يا دمائي على تلك الحجارة الصغيرة ، يا مرسالي العزيز ، قولي لامي : اي شيئ عند حضورها ، قولي لها : انك تملكي الحق في البكاء لانك على حق ، فانت تسبحي في دمي ، ايضا قولي لها : اني احبها ولن انساها ))
ذكريات وذكريات لا تتوقف ،
وحيث هو غارق بلحظات حزينة جميلة ، واذا بيد ثقيلة فوق كتفه ، تنهي كل شيئ ،
نظر اليهم ، سعادة تغمر وجوههم ، فبات الامر وشيكا على النهاية ،
ساد شيئ من الصمت ، لا يقطعه سوى خفقات قلب وصوت يرتجف ، ( خلص ما تعمل شي ، انت بايدينا )
شعر بخناق في صدره واخذ الالم يزداد ، الم الشعور المرتقب في الغربة والحرمان ، الم الوداع والفراق
لا بأس ..
قولوا اي شيئ ايها الاغبياء ، ابتسموا _ ذلك لم يعد يهمه ، فالسماء الهائجة نارا تحرق حتى التراب لا تهمه ، و انتم الذين تحرقون كل خلية في جسده لا تهموه ، لان هذا الجسد وبكل هذا الانتماء لم يعد يبالي بشيئ ، ولن تحرموه من شيئ ،لن تستطيعوا ،
اناس كثيرة تترقب الموقف ،يتقدم احد الحراس ويمسك به ويسحبه ارضا ، صرخ عليه لم يتمالك نفسه وهو يسحبه حارس صغير غبي جبان ، صرخ عاليا لن تنالوا مني ايها الاوغاد وانطلق في ذاك الطريق اللامحدود وسط دهشة الجنود والناس الذين يراقبون ، تعم الفوضى من جديد لم يبتعد عنهم فهو لا يستطيع الحركة فاذا بصوت عال يجعل من الكل صامتا الا قلب ينبض ونفس سريع وابتسامة بريئة وام تصرخ
((قتلتو ابني يا ولاد الكلب))
طلقة كانت في الدقيقة تسعين تعلن عن نفس اخير وعن وداع اخير لكل شيئ البيوت ، الشوارع ، الازقة الصغيرة ، والاشجار والتراب والهواء والسماء
طلقة غادرة انهت كل شيئ ،ومن بعيد يسمع صوتا ناعما صغيرا لفتاة صغيرة وهي تبكي تقول :
يا شهيد ارتاح ارتاح ، وحنا حنواصل كفاح
فرد عليها
لا تخافي ، ففي مكان ما سنلتقي من جديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق